بين الإنجاز والمعنى: كيف نعيد ضبط البوصلة الداخلية
- Dala Nashef

- Jul 20
- 4 min read
في مرات، إذا منطلع على حياتنا من برّا، ممكن يبين إنه كل إشي ماشي مثل ما خططنا. خلصنا مرحلة وبدينا اللي بعدها، حققنا أهداف استنيناها سنين، ويمكن بنينا حياة مستقرة ومنطقية، على الأقل كيف كنا متخيلينها أو كيف بشوفوها الناس القريبة علينا . ومع هيك، بتيجي علينا لحظات، وإحنا لحالنا، منصير نفكر بالحياة اللي بنعيشها، ونكتشف إنه السؤال اللي شاغلنا بطل: "شو الهدف اللي بعده؟" بل: هل إحنا فعلًا بالمكان اللي بدنا نكون فيه، ولا بس عم نمشي بالطريق اللي تعودنا نمشي فيه؟
اللي ممكن يفاجئنا إنه هاي الأسئلة ما بتظهر بالضرورة لما الأمور تمشي غلط، بل مرات بتظهر بعد ما نمشي كل الطريق ونوصل. لأنه في فرق بين إننا نحقق هدف، وبين إننا نحس إنه هاد الهدف فعلًا بيعبر عنا. النجاح بيعطينا إحساس إنه تعبنا كان إله نتيجة، لكنه ما بضمن إنه الطريق اللي مشيناه كان قريب من القيم اللي منأمن فيها. عشان هيك، ممكن نكون عم نتقدم، ومننجز، وكل إشي من برّا يوحي إنه إحنا بالمكان الصح، ومع هيك يضل في الداخل شعور صعب نوصفه، كأنه في إشي ناقص، أو كأننا صرنا مش متأكدين إذا اللي حققناه فعلًا بيشبهنا.
النجاح والمعنى: فرق جوهري
النجاح منعرف نقيسه بسهولة. منقدر نشوف العلامة، أو الترقية، أو المشروع اللي نجح، أو الهدف اللي وصلناله بعد تعب طويل. أما المعنى، فما منقيسه بالنتيجة، بل بالسؤال: هل اللي وصلناله بيعكس فعلًا الأشياء اللي منأمن فيها؟
ممكن نحقق نفس الإنجاز، لكن يختلف إحساسنا فيه تمامًا. لما يكون اللي منعمله منسجم مع قيمنا، منحس إنه إله معنى. ولما يكون مجرد استجابة لتوقعات، أو مقارنة، أو مسار مشينا فيه بدون ما نراجعه، ممكن نوصل... ومع هيك يضل في الداخل شعور إنه في إشي ناقص.
ليش احنا بحاجة لقصة؟
يمكن لأنه إحنا بطبيعتنا ما منعيش حياتنا كأنها مجموعة أحداث منفصلة. منحب نحس إنه في رابط بين اللي صار معنا، واللي عم نعيشه اليوم، واللي لسا جاي. منحب نعرف إنه تعبنا ما كان مجرد سلسلة قرارات، وإنه التجارب اللي مرقنا فيها، حتى اللي ما فهمناها وقتها، إلها مكان ضمن صورة أكبر. ولما يكون هاد الرابط موجود، حتى المحطات الصعبة بتصير مفهومة أكثر، لأنها ما بتكون مجرد مواقف عابرة، بل جزء من قصة عم تتشكل مع الوقت.شو بصير داخلنا لما ينفصل الإنجاز عن المعنى؟
لما يصير الإنجاز هو الطريقة الوحيدة اللي منقيس فيها حالنا، بصير شعورنا مرتبط بكل هدف منوصله. منفرح للحظة، لكن بسرعة مننتقل للهدف اللي بعده، وكأنه الجواب دايمًا موجود بالمحطة الجاية.
ومع الوقت، ممكن نصير أكثر حساسية لأي تقييم، ومنكبّر أخطاء صغيرة، ومنحس إنه مهما عملنا... مش كفاية. ومرات، بدل ما نستمتع باللي حققناه، منكون مشغولين بالإشي اللي بعده.
هاي الإشارات مش معناها إنه في مشكلة، لكنها ممكن تكون تذكير إنه قبل ما نركض وراء الهدف الجاي، لازم نرجع نسأل: ليش كان
هاد الهدف مهم إلنا من الأساس؟شو بيحكي العلاج بالمعنى؟
من أكثر الناس اللي كتبوا عن سؤال المعنى كان الطبيب النفسي فيكتور فرانكل، مؤسس العلاج بالمعنى (Logotherapy). والتجارب القاسية اللي عاشها دفعته للتساؤل: شو اللي بخلي الإنسان يتمسك بالحياة حتى في أصعب الظروف؟ ومن هون، بنى فكرته إنه الإنسان ما بتحرك فقط بالمتعة أو القوة، بل أيضًا بإرادة المعنى.
الإنسان بحاجة يحس إنه لحياته غاية، وإنه اللي بعمله مرتبط بإشي أعمق من مجرد الوصول لهدف أو تحقيق إنجاز. وعشان هيك ، كان يشوف إنه حتى بالأشياء اللي ما منقدر نغيّرها، بيضل عنا مساحة نختار الموقف اللي رح ناخده تجاهها، والمعنى اللي رح نعطيه إلها.
ومن هون، العلاج بالمعنى ما بوعد الإنسان بحياة أسهل، ولا إنه الألم رح يختفي، لكنه بساعدنا نشوف تجاربنا ضمن صورة أكبر. ولما نقدر نربط اللي مرقنا فيه بالاتجاه اللي اخترناه لحياتنا، بتبطل التجارب مجرد أحداث متفرقة، وبتصير جزء من قصة إلها معنى.
كيف منرجّع نضبط البوصلة؟ إعادة الاتصال بالمعنى ما بتصير بقرار واحد، ولا بشعار محفّز. هي عملية بتصير شوي شوي، وكل مرة منرجع فيها نسأل حالنا أسئلة مختلفة: 1. نسمي اللي بنعيشه بدقة
مرات منفسر الشعور بالفراغ على إنه ضعف، أو قلة امتنان، بينما ممكن يكون ببساطة إشارة إنه صار في مسافة بين اللي عم نحققه وبين اللي فعلًا بهمنا. ولما منسمي التجربة زي ما هي، بصير أسهل نفهمها بدل ما نستمر بمحاربتها.
2. نرجع نسأل عن القيمة
بعد ما نحدد الهدف، نرجع نسأل: ليش هاد الهدف مهم إلنا من الأساس؟ هاد السؤال برجع يربط الإنجاز بالقيم اللي منأمن فيها، وبذكرنا إنه الهدف وسيلة نعبر فيها عن قيمنا، مش غاية بحد ذاته.
3. نتبنّى عقلية نمو
لما نتعامل مع الأخطاء على إنها جزء من التعلم، مش حكم على قيمتنا، بصير أسهل نستمر بدون ما تهتز ثقتنا بحالنا مع كل عثرة. ومع الوقت، بصير تركيزنا على التطور، مش على إننا نكون كاملين.
4. نوسّع زاوية النظر
مرات اللي منحتاجه مش تغيير حياتنا، وإنما تغيير الطريقة اللي منشوفها فيها. تجربة جديدة، فكرة مختلفة، أو حتى حديث مع شخص آخر، ممكن يخلينا نشوف مسارنا من زاوية ما كانت واضحة قبل.
5. نربط حياتنا بإشي أكبر منا
المساهمة في خدمة الآخرين، أو العمل من أجل قضية منأمن فيها، أو حتى تقديم دعم بسيط لشخص قريب، بتعزز الشعور إنه لحياتنا أثر بتجاوز حالنا. وكمان، كتابة تجاربنا أو التأمل فيها بتساعدنا نعيد فهم قصتنا، ونربط الأحداث ببعضها ضمن إطار بعطيها تماسك ومعنى.
ومن المهم كمان نتذكر إنه المعنى مش إشي في نسخة صح ونسخة غلط. هو تجربة شخصية بتتشكل من قيمنا وخبراتنا. وعشان هيك،
الدوافع اللي بتطلع من الداخل غالبًا بتكون أصدق وأقدر إنها تستمر من الدوافع المبنية على المقارنة أو توقعات الآخرين.
شو منوخد معنا من المقال؟
النجاح ممكن يوصلنا لمكان كنا نطمح له، لكنه ما بضمن إننا رح نشعر إننا بالمكان الصح.
السؤال عن السبب وراء اختياراتنا مهم بقدر السؤال عن الطريقة اللي رح نوصل فيها لأهدافنا.
المعنى ما بيظهر دفعة واحدة، بل بتشكل من خلال اختيارات صغيرة بتعكس القيم اللي منأمن فيها.
بالنهاية، النجاح بيجاوب عن سؤال: "شو حققنا؟" أما المعنى، فبيخلينا نسأل: "ليش كله هاد كان مهم؟" ويمكن الحياة بتحتاج السؤالين، مش واحد منهم.
المراجع:
Frankl, V. E. (2006). Man's Search for Meaning. Beacon Press.
Ryan, R. M., & Deci, E. L. (2018). Self-Determination Theory: Basic Psychological Needs in Motivation, Development, and Wellness. Guilford Press
Steger, M. F. (2009). Meaning in Life. In S. J. Lopez (Ed.), The Encyclopedia of Positive Psychology. Wiley-Blackwell



Comments