من التصفح إلى الشك بالنفس: كيف تعيد المنصات تشكيل مشاعرنا؟
- Dala Nashef

- Apr 18
- 3 min read
Updated: May 10
كثير من الشباب اليوم يمرّون بحالة يصعب وضع اسم واضح لها. لا توجد أزمة كبيرة في الظاهر، ولا حدث صادم يفسّر ما يشعرون به، ومع ذلك يتكرر إحساس خافت بالتوتر، أو مقارنة صامتة، أو شعور داخلي بأنهم أقل بقليل مما ينبغي. يمضي يوم عادي بكل تفاصيله المعتادة، لكن العقل لا يغلقه بسهولة. يبقى في حالة نشاط خفيف، وكأن أمرًا ما لم يُحسم بعد، أو سؤالًا غير مكتمل ظلّ عالقًا في الخلفية.
هذا النوع من الإرهاق لا يكون دائمًا نتيجة ضغط دراسي مباشر أو تحدٍّ عائلي واضح. في كثير من الأحيان، يرتبط بطريقة تفاعلنا اليومية مع بيئة رقمية عالية التحفيز، تعمل بصمت على إعادة تشكيل انتباهنا ومعاييرنا الداخلية. لم يعد السؤال الأهم: هل تؤثر وسائل التواصل فينا؟ بل أصبح: كيف تعيد تشكيل ما نشعر به؟ وكيف تغيّر قدرتنا على فهم هذه المشاعر وتنظيمها؟
لفهم الصورة بوضوح، يمكن النظر إلى ثلاث آليات نفسية تعمل في الخلفية دون أن ننتبه إليها. أولًا، لدينا حاجات نفسية أساسية: الحاجة إلى الشعور بالاختيار، والحاجة إلى الكفاءة، والحاجة إلى الانتماء. عندما تُشبع هذه الحاجات، نشعر بالاستقرار والدافع الداخلي. لكن في البيئة الرقمية، يصبح معيار التقييم خارجيًا ومعلنًا باستمرار: عدد الإعجابات، سرعة الإنجاز، صور النجاح المتتالية. عندها قد يبدأ الشعور بالكفاءة بالاهتزاز، ليس لأننا فشلنا، بل لأننا نقيس أنفسنا بمعايير متغيرة لا تتوقف. أحيانًا لا يتغير واقعنا، لكن يتغير المقياس الذي نحاكم به أنفسنا.
ثانيًا، هناك استنزاف الموارد النفسية، وخصوصًا الانتباه. الانتباه ليس بلا حدود؛ هو مورد محدود مثل الطاقة الجسدية. كل إشعار يصل، كل انتقال سريع بين المقاطع، كل تمرير مستمر يستهلك جزءًا صغيرًا منه. ومع التكرار اليومي، يتراكم الاستنزاف حتى دون أن نشعر. قد يظهر ذلك في صورة:
صعوبة في التركيز لفترة طويلة
سرعة انفعال على أمور بسيطة
تعب ذهني رغم أن اليوم لم يكن مرهقًا
حساسية زائدة لتعليق عابر
تنظيم المشاعر يحتاج إلى طاقة. وعندما تقل هذه الطاقة، تصبح الانفعالات أسرع وأقوى وأقل قابلية للاحتواء. قد تبكي على أمر صغير أو تتأثر بمقارنة عابرة، ليس لأنك ضعيف، بل لأن مواردك استُهلكت قبل أن تنتبه.
الآلية الثالثة هي الحلقة العاطفية التلقائية. كثيرًا ما لا نفتح الهاتف بدافع واضح، بل هربًا من شعور غير مريح: ملل، قلق، انتظار. تبدأ الدورة هكذا: شعور غير مريح ← فتح التطبيق ← تصفح ← مقارنة ← توتر خفيف ← إعادة فتح التطبيق. مع التكرار، يتحول السلوك إلى استجابة شبه تلقائية. هنا يظهر الخوف من الفوات (FOMO): القلق من أن شيئًا مهمًا يحدث في غيابنا. المشكلة ليست في الاطلاع، بل في تحوّله إلى وسيلة دائمة لتنظيم القلق، ثم إلى مصدر جديد له.
لنأخذ مثالًا قريبًا من الواقع. سارة، 21 عامًا، تجلس مساءً لإنهاء مهمة جامعية. بعد عشر دقائق من التركيز، يصل إشعار. تقول لنفسها: "دقيقة واحدة فقط." تمرّ على إعلان تدريب حصلت عليه زميلتها، وصورة احتفال تخرج، وفيديو عن "استثمار العشرينات." تعود إلى واجبها، لكن تركيزها أصبح أثقل. يظهر سؤال صغير لم يكن موجودًا قبل التصفح: "هل أنا متأخرة؟" هذا السؤال لم يولد من واقع جديد، بل من مقارنة سريعة غيّرت معيارها الداخلي. ما حدث ليس فشلًا، بل تفاعل بين استنزاف الانتباه وتنشيط الحاجة إلى الكفاءة بطريقة مهدِّدة.
كيف يظهر اضطراب تنظيم المشاعر في هذه السياقات؟ ليس بالضرورة عبر انهيار كبير، بل عبر إشارات متكررة مثل:
تعليق بسيط يعلق في ذهنك لساعات
خطأ صغير يتحول إلى دليل على عدم الكفاءة
قلق خفيف دون سبب واضح
لجوء إلى الهاتف للتهدئة، ثم الخروج بشعور أثقل
هذه الإشارات لا تعني دائمًا "إدمانًا"، لكنها قد تدل على علاقة غير متوازنة مع محفزات كثيفة تقلّص المسافة بين الشعور والاستجابة.
إعادة التوازن لا تتطلب انسحابًا كاملًا من العالم الرقمي، بل وعيًا تدريجيًا. هناك أدوات بسيطة يمكن حملها معك:
بعد التصفح، اسأل نفسك: "ما الذي شاهدته قبل أن أشعر بهذا الشكل؟"
سمّ الشعور: "هذا إرهاق مقارنة" أو "هذا قلق بعد التصفح."
قبل فتح التطبيق، توقف لثانيتين واسأل: "هل لدي هدف واضح أم أهرب من شعور؟"
قلّل الإشعارات غير الضرورية لحماية انتباهك.
تجنب بدء يومك أو إنهاءه بالمقارنة.
هذه الخطوات الصغيرة تعيد عنصر الاختيار. ليست المسألة في عدد الساعات فقط، بل في مستوى الوعي أثناء الاستخدام.
ماذا آخذ معي من هذا المقال؟
ليس كل توتر يعني أن فيك خللًا؛ أحيانًا هو نتيجة استنزاف مستمر للانتباه.
الشعور بأنك أقل لا يعني أن واقعك تغيّر، بل قد يعني أن معيار المقارنة تغيّر.
التصفح ليس محايدًا؛ هو يفعّل حاجات نفسية عميقة دون أن ننتبه.
تسمية الشعور وربطه بمصدره يقلل من شدته.
استعادة لحظة اختيار قبل الدخول إلى التطبيق تعيد لك جزءًا من السيطرة.
انتباهك وطاقة مشاعرك موارد محدودة، ومن حقك أن تحميها.
البيئة الرقمية ستبقى كثيفة ومحفِّزة، لكن يمكنك أن تختار كيف تتفاعل معها. قد لا يتغير ما يظهر على الشاشة، لكن يمكن أن يتغير موقعك الداخلي منه. وفي هذه المساحة الصغيرة بين الشعور والاستجابة، يبدأ تنظيم المشاعر بالتحسن، ويصبح حضورك الرقمي أقل ضغطًا وأكثر اتزانًا.



Comments